بلد الشيخ

كانت القرية تقع ف سهل حيفا، عند سفح الامتداد الشمالي الغربي لجبل الكرمل. وكان طريق حيفا- جنين العام يمر شرقيها، ومثله خط سكة حديد حيفا- سمخ الذي كن يبعد عنها نحو نصف كيلومتر. وكان ثمة مدرج للطائرات في الطرف الشمالي من أراضي القرية، على بعد نحو كيلومترين من القرية ذاتها. وقد سُمّيت بلد الشيخ تيمناً بالشيخ الصوفي الشهير عبد اللّه السهلي، الذي منحه السلطان سليم الأول (حكم من سنة 1512 إلى سنة 1520) جبايات القرية في الأيام الأولى من الحكم العثماني في فلسطين. في سنة 1859، زار إدوارد روجرز (Edward Rogers)، نائب القنصل البريطاني في حيفا، بلد الشيخ وذكر أن سكانها، البالغ عددهم 350 نسمة، يزرعون 12 فداناً [الفدان = 100 – 250 دونماً]. وقدر غيران (Guerin) وهو رحالة آخر، عدد سكانها بنحو 500 نسمة في سنة 1875؛ ورأى فيها أشجار الزيتون والنخيل وعدداً من الينابيع في جوار القرية [SWP: (1881) I: 281].
في سنة 1945، كانت بلد الشيخ ثانية كبرى القرى في قضاء حيفا، من حيث عدد سكانها الذين كانوا جيمعاً من المسلمين. وكان للقرية شكل مستطيل، ومنازلها متقاربة ومبنية في معظمها بالحجارة والأسمنت. وكان في القرية عدد من المقاهي، ومحطتان للوقود تقعان على طريق حيفا- جنين العام. وقد أُقيمت فيها مدرسة ابتدائية سنة 1887، في العهد العثماني. وكنت مقبرة القرية تضم رفات الشهيد الشيخ عز الدين القسّام، وهو واعظ زاهد أدى استشهاده في معركة ضد القوات البريطانية، سنة 1935، إلى اندلاع ثورة 1936 ضد الاحتلال البريطاني.

كان اقتصاد القرية يعتمد، في الغالب، على الزراعة وتربية المواشي. وكان الزيتون والحبوب والفاكهة أهم المحاصيل الزراعية. وبعد الحصاد، كان سكان القرية يستخرجون الزيت من الزيتون، مستخدمين معصرة يدوية. في 1944/1945، كان ما مجموعه 4410 من الدونمات مخصصاً للحبوب، و368، دونماً مروياً أو مستخدماً للبساتين. وكان ثمة مصدر آخر للرزق هو التوظيف؛ فقد كان عدد من سكان القرية يعمل في حيفا. وفي فترة الانتداب، استأجر بعض المستثمرين الصهيونيين قسماً من الأرض بنوا عليه معملاً للأسمنت، وسوى ذلك من الأبنية التي أصبحت فيما بعد مستعمرة نيشر. وإلى الشمال من القرية كان مقام الشيخ عبد الله السهلي، وإلى جواره خان (يعود في أرجح الظن إلى الفترة المملوكية). وقد عُثر هناك على معصرة حجرية للعنب، وعلى بعض الأحواض التي يقال إنها تعود إلى العصر البيزنطي.

إحتلال القرية وتطهيرها عرقيا 

ارتكبت الهاغاناه مجزرة في بلد الشيخ، في 31 كانون الأول/ ديسمبر 1947. وجاء في ((تاريخ الهاغاناه)) أن قوة قوامها 170 رجلاً من البلماح أُمرت ((بتطويق القرية، وإلحاق الأذى بأكبر عدد ممكن من الرجال، وتخريب الممتلكات، والإحجام عن التعرض للنساء والأولاد)). وقد خلّف المهاجمون أكثر من 60 قتيلاً؛ وعلى الرغم من الجملة الأخيرة الواردة في الأوامر، فقد كان بين الضحايا نساء وأطفال. وجاء في تقرير وضعته القوة المهاجمة بعد تلك ((العملية)) أنه ((بسبب نيران أُطلقت من داخل الغرف، كان من المستحيل تجنب إلحاق الأذى أيضاً بالنساء والأطفال)). وقد دُمّر في أثناء هذا الهجوم عشرات المنازل. وكانت هذه المجزرة ثأراً لمقتل عمال يهود في مصفاة النفط في اليوم السابق؛ وقيل حينها إن عمالاً فلسطينيين من القرية قاموا بذلك رداً على قنبلة فجرتها عصابة الإرغون عند أبواب مصفاة النفط في حيفا، قُتل جرّائها 6 عمّال فلسطينيين وجرح 42، وذلك استناداً إلى صحيفة ((فلسطين)). وجاء في الصحيفة أن الضحايا الفلسطينيين سقطوا نتيجة إلقاء قنبلة من سيارة كانت تمر بالمكان مسرعة، بينما كان العمال يقفون في صفّ الاستخدام خارج المصفاة. وبفعل الغضب الجارف بعد ذلك الهجوم، انقضّ العمال الفلسطينيون على العمال اليهود فقتلوا 41 منهم. وكانت الهاغاناه، ولسخرية الأقدار، وصفت هجوم الإرغون الأول بأنه ((غير مسؤول))، وفق ما ذكر المؤرخ الإسرائيلي بِني موريس .

بعد هذه المجزرة، أُخليت القرية جزئياً في 7 كانون الثاني/ يناير 1948، ولم تحتلها القوات الصهيونية إلاّ في نهاية نيسان/أبريل 1948. وكانت خطة ((دالت)) تقضي بأن يحتل لواء كرمي بلد الشيخ، في عملية احتلال حيفا ذاتها. وبسقوط حيفا في 22 نيسان/أبريل، أُجلي عدد من نساء القرية وأطفالها إلى أماكن آمنة، تحسباً لهجوم قد يُشن. عند فجر 24 نيسان/أبريل، حاصرت وحدات من الهاغاناه القرية وطلبت من السكان تسليم أسلحتهم (وذلك استناداً إلى صحيفة ((نيويورك تايمز)) وإلى بِني موريس معاً). فقد جاء في الروايتين أن سكان القرية سلّموا ((22 بندقية قديمة)) وطلبوا هدنة، غير أن الهاغاناه رفضت ذلك الطلب وهددت بالهجوم إذا لم يُسلّم باقي الأسلحة. وعند الساعة الخامسة صباحاً، فتحت الهاغاناه النار من مدافع الهاون والمدافع الرشاشة. وجاء في تقرير لوحدة بريطانية وصلت إلى المكان في الساعة السادسة صباحاً، أنه لم يصدر عن القرية ((أي رد تقريباً)) على إطلاق النار. ثم رتّب البريطانيون هدنة تقضي بإخلاء القرية من سكانها، وفي جملتهم النساء والأطفال، وذلك تحت حماية بريطانية. ويبدو، بحسب قول موريس، أن بعض السكان اتجه صوب عكا، ثم فرّ منها بعد أيام قليلة، عندما انتاب الذعر المدينة تحسباً لهجوم جديد تقوم الهاغاناه به.

المغتصبات الصهيونية على اراضي القرية

استوطن المهاجرون الصهيونيون القرية في سنة 1949، وأطلقوا عليها اسم تل حنان (M:xx)؛ وهي الآن جزء من مستعمرة نيشر.

المصدر:
كتاب كي لا ننسى، وليد الخالدي
www.palestineremembered.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *