لفتا

كانت القرية تنهض على سفح تل شديد الانحدار وتواجه الشمال والشمال الغربي مشرفة على وادي سلمان. ويمر الطريق العام الممتد بين القدس ويافا جنوبي غربي القرية مباشرة, كما تربطها طرق ترابية بمجموعة من القرى المجاورة ويعتقد أن لفتا شيدت في موقع (مياه نفتوح) (يشوع 15: 9: 18: 15)وهو نبع ماء مجاور للقدس, وذلك على الرغم من أن علماء التوراة اختلفوا في تحديد هويتها. وقد أطلق على الموقع اسم مي نفتوح خلال العهد الروماني, كما أطلق عليه اسم نفتو في العهد البيزنطي. ولا يكاد يعرف شيء عن القرية في العهد الإسلامي الأول, إلا إن القرية عرفت أيام الصليبيين باسم كليبستا . في سنة 1596, كانت لفتا قرية في ناحية القدس ( لواء القدس), وعدد سكانها 396 نسمة, يؤدون الضرائب على عدد من الغلال كالقمح والشعير والزيتون والفاكهة و بالإضافة إلى البساتين والكروم. في سنة 1834 كان الموقع ساحة لمعركة خاضها الجيش المصري بقيادة إبراهيم باشا ضد متمردين محليين على رأسهم حاكم محلي بارز هو الشيخ قاسم الأحمد. وعلى الرغم من هزيمة هذا الأخير, فقد ظلت عائلته ذات سطوة لأعوام كثيرة بعد هذه المعركة وحكمت المنطقة الواقعة جنوبي نابلس من قريتيها الحصينتين (دير إستيا وبيت وزن) اللتين تبعدان نحو 40 كلم إلى الشمال من لفتا. في أواخر القرن التاسع عشر, كانت لفتا تقوم على جانب تل شديد الانحدار, وإلى الجنوب منها نبع وقبور محفورة في الصخر.
أما منازل القرية فقد بنيت في معظمها بالحجارة, متخذة شكل خط محيط التل, كما كانت الأزقة القديمة فيها تمتد على شكل متسم بخطوط منحنية. وقد توسعت القرية توسعا ملحوظ في أواخر القرن عهد الانتداب, وامتد البناء فيها شرقا, صاعدا منحدرات جبل خلة الطرحة, وواصلا القرية بأبنية حي روميما في المنطقة الشمالية الغربية من القدس الغربية. كما امتد البناء نحو أسافل التل في الجنوب الغربي, في موازاة الطريق العام الممتد بين القدس ويافا. وكان السواد الأعظم من سكان لفتا من المسلمين, بينما قدر عدد المسيحيين من سكانها في أواسط الأربعينات من القرن الحالي ب20 نسمة من مجموع 2550 نسمة يقيمون فيها. وكان وسط القرية تشتمل على مسجد ومقام للشيخ بدر- وهو ولي محلي- وبعض الدكاكين. كما كان فيها مدرسة ابتدائية للينين, وأخرى للبنات أنشئت في سنة 1945, بالإضافة إلى مقهيين وناد اجتماعي. والواقع أن القرية كانت ضاحية من ضواحي القدس, تربطها بها علاقات اقتصادية وطيدة. وكان سكانها يبيعون منتجاتهم في أسواق القدس, ويستفيدون مما تقدمه المدينة من خدمات. وكانوا يتزودون مياه الشرب من نبع في وادي الشامي, ويزرعون أراضيهم حبوباً وخضروات وأشجار مثمرة منها الزيتون والكرمة. وكانت أشجار الزيتون تغطي 1044 دونما. وقد تركزت زراعات القرية البعلية في وادي الشامي, ولا سيما في المنخفضات الممتدة جنوبي غربي القرية, وعلى المنحدرات. في 1944\1945, كان ما مجموعه 3248 دونما مزروعا بالحبوب.

إحتلال القرية وتطهيرها عرقيا 

فجرت الهاغاناه في الأيام الأولى من الحرب القتال في لفتا, وفي حيين من أحياء القدس متاخمين لها, هما روميما والشيخ بدر. وقد جاء في (تاريخ الهاغاناه) أن (تأمين المخرج الغربي للمدينة [القدس, استوجب] إجلاء العرب عن روميما والشيخ بدر. وبعد ذلك هجر العرب لفتا أيضا). وتقدم مصادر أخرى مزيدا من التفصيلات إذا يقول المؤرخ الإسرائيلي بين موريس إن الهاغاناه أطلقت العيارات النارية الأولى في كانون الأول\ ديسمبر 1947 على فلسطيني يملك محطة وقود في روميما, للاشتباه في أنه يمد القوات العربية بمعلومات عن مغادرة القوافل اليهودية إلى تل أبيب, وقد أدى ذلك إلى مقتله. وفي اليوم التالي, ألقيت قنبلة يدوية على باص لليهود. أما المؤرخ الفلسطيني عارف العارف, فيضيف أن أحد مقهيي لفتا تعرض, في 28 كانون الأول\ ديسمبر, لهجوم برشاشات ستن, الأمر الذي نجم عنه مقتل ستة من رواد المقهى وجرح سبعة. لكن تقريرا ورد في صحيفة(نيويورك تايمز) أفاد أن عدد القتلى هو خمسة, مضيفا أن أفرادا من عصابة شتيرون أوقفوا الباص الذي كان يقلهم خارج المقهى, وأمطروا الزبائن بنيران رشاشاتهم, وألقوا قنابل يدوية.
ويذكر العارف أن سكان لفتا غادروها في معظمهم بعد الهجوم على المقهى, ثم سرعان ما حذا الباقون حذوهم. وجرى في إثر هذه العملية عدد من العمليات الأخرى, إذا قامت كل من الهاغاناه والإرغون وعصابة شتيرن بالهجوم تكرارا على روميما ولفتا ونسف أفراد من الهاغاناه منزل مختار حي الشيخ بدر المجاور, في 11 كانون الثاني\ يناير 1948, ثم ما لبثوا أن شنقوا بعد يومين هجوما ثانيا دمروا فيه عشرين منزلا, كما أتلفوا معظم منازل الطرف الشرقي من لفتا. ويضيف موريس أن تدمير المنازل هدف إلى إجبار الفلسطينيين على مغادرتها, وقد تحقق هذا الهدف إلى حد بعيد. في 7 شباط \ فبراير 1948, عبر رئيس الوكالة اليهودية (ورئيس الحكومة الإسرائيلية فيما بعد), دافيد بن- غوريون, في اجتماع لزعماء حزب مباي, عن رضاه عن نتائج الهجمات, إذا قال: ( إذا ما دخلتم القدس لفتا- روميما, أو عبر محنيه يهودا, أو عبر طريق الملك جورج ومئاه شعاريم, فلن تصادفوا غريبا واحدا ( أي عربيا واحدا). فالجميع يهود مئة في المئة).

القرية اليوم

المنازل الباقية في الموقع مهجورة في معظمها, مع أن بعضها رمم لتقيم فيه عائلات يهودية. ولم يبق من الحوض الذي شيد حول النبع في وادي الشامي سوى الأنقاض, ويظهر المسجد ونادي القرية شمالي النبع. وتحف بالجانب الغربي من المسجد مقبرة تغطيها الأشجار والأعشاب البرية. ويقع بستان التين واللوز, التابع للقرية, في غور واد بمحاذاة مسيل ماء يتدفق من النبع. وقد انتقلت عائلات يهودية للسكن في ثلاثة من المنازل القديمة في القرية, بينما تظهر أطلال المنازل الأخرى في مواضع متفرقة في القرية. في سنة 1987, وضعت سلطة المحافظة على البيئة الإسرائيلية مخططا يهدف إلى ترميم (القرية المهجورة منذ زمن بعيد), وتحويلها إلى مركز لدراسة التاريخ الطبيعي في الهواء الطلق, من أجل (تعزيز الجذور اليهودية في الموقع). وستمول التبرعات هذا المشروع, الذي تقدر تكلفته بعشرة ملايين دولار أميريكي.

المغتصبات الصهيونية على اراضي القرية

أقيمت على أراضي القرية مستعمرة مي نفتوح ( 168133) وغفعت شاؤول ( 168133), وأصبحنا اليوم في جملة ضواحي القدس.

 

المصدر:
كتاب كي لا ننسى، وليد الخالدي
www.palestineremembered.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *